أخبار عاجلة
الرئيسية » اخبار فنية - اخبار المشاهير - عالم الفن والفنانين » الأدب المنتج قراءة توصيفيَّة لكتاب {المقالة الأدبية والاستنارة}

الأدب المنتج قراءة توصيفيَّة لكتاب {المقالة الأدبية والاستنارة}

الأدب المنتج قراءة توصيفيَّة لكتاب {المقالة الأدبية والاستنارة}

أ.د حمد محمود الدُّوخي إن قصدنا من هذه التسمية (الأدب المنتج) هو التأكيد على إنتاجية الأدب شأنه شأن العلوم الأخرى؛ والتأكيد على تجاوز مفهوم الأدب للتعريف المخملي الحالم الذي يقضي بأن الأدبَ متعةٌ، لأننا نرى أن هذا التعريف مُدلَّلٌ، فالأدبُ يحرِّض على السؤال والتمرُّد نعم، ولكن لا يقصدُ التمرُّدَ الذي يقف عند حدود المتعة دون النتيجة، إنه ينشد التمرُّدَ المنتج، فهو تمردٌ على القوانين والأنظمة لا لأجل التمرُّد الفوضوي، بل التمرَّد الذي يحمل البديلَ المتحصَّل له من وعيه الثاقب المستشرف لمستقبل الإنسان؛أي أنه يتمرد على النظام بنظامٍ آخرَ أكثر صلاحيةً لتمثيل تطلعات الإنسان، وهكذا تظل أنظمة العالم بتطورٍ لأنها مدعومة من قبل هذا النوع المنتج من الأدب. ونجد دليلنا الإجرائي لذلك في كتاب (أ.د فائق مصطفى): (المقالة الأدبية والاستنارة) فهو كتاب مشروعيٌّ يأتي ضمن المشروع المعروف لأستاذنا وهو (العناية بفن المقالة) واستثماره في التربية والثقافة، إذ رفع من أجل هذا الاستثمار شعاره المشهور (اقرأ كل يوم مقالة، تتثقَّفْ) وهذا الشعار يمثِّلُ اشهاراً واضحاً يدل على إنتاجية الأدب، فضلاً عن أن أي كتاب مشروعيٍّ هو إعلان عن الانضواء ضمن مسار إنتاجي للنوع الأدبي الذي هو ضمنه. لقد تناول الكتاب رعيلاً من كُتَّاب المقالات التي تدخَّلوا بقوة إيجابية بتشكيل معايير مهمة في ميزان الإضافة المعرفية في الثقافة العربية؛ منذ بواكير النهضة العربية ليومنا هذا؛ لذا سنقدم توصيفاً لأهم تناولٍ قدَّمه الدكتور لدور هذا النوع من المقالات منطلقين من مقدمة الكتاب بوصفها مقالة تقديمية تعطي رصداً مفهومياً مكثَّفاً لفن المقالة عموماً ولمتن هذا الكتاب خصوصاً. على ما بها من اختزال مضغوطٍ إلا أن مقدمة الكتاب تقدِّم لنا كشفاً عملياً عن نوعية الكتاب، وعن ميول الكاتب، على اعتبار أن المقدمة عتبةٌ تعريفيةٌ تحدد جنسَ وتوجُّهالمتن، وهذه النوعية هي نوعية توجيهيَّةٌ نحو الدور الريادي التربوي للمقالة لما تتمتَّع به- المقالةُ – من (صغر المساحة، وسهولة اللغة، وتجسيد مشكلات وقضايا المجتمع والوجود الكبرى).وبهذا تكون هذه العتبة قد قدَّمت المراد منها وأوصلت القراءة إلى باحة دار الوظيفة المرجوَّة من المقالة، في هذا الكتاب تحديداً، وهي (الوظيفة التربوية) بوساطة رجالاتها الذي شكلوا أبرز نماذج هذا الكتاب، مثل (الشيخ محمد عبد/ أمين الريحاني/ المنفلوطي/ طه حسين/ أحمد أمين/ زكي نجيب محمود/ محمود أحمد السيد/ حسين الرحال/ علي جواد الطاهر/ هادي العلوي/ يوسف الصائغ ..). المقالة ابنة التنوير فقد (ولدت في أحضان حركات التنوير التي استقرَّت وانتصرت في القرن الثامن عشر في أوروبا) وهذه الولادة ضرورة حتميَّةٌ لأنهما، أي المقالة والتنوير، قائمان على التساؤل، بمعنى أن التنوير وجد في المقالة الأدبية أنموذجه الذي يمكِّنُه من إيصال نظرته الإنسانية للوجود وجدواه، وهذا دليلٌ على إنتاجية الأدب؛ لاسيما أن المقالة قد أسهمت بذلك عمليَّاً من خلال اجتهادها أدبياً، وقد كان هذا الاجتهاد نتيجةً تحصيليَّةً لبواكير التنوير الأوروبي التي وصلت إلى العالم العربي منتصف القرن التاسع عشر وبالتحديد إلى مصر؛ وهنا تشكَّلت المقالةُ جنساً أدبيَّاً منتجاً كونها تكفَّلت بأداء دورها الوظيفي الموسوم بـ(تنمية الإنسان). المقالة وتنمية الإنسان لا يخفى ما للمقالة من أثرٍ فاعلٍ في التنميةِ البشريةِ، وذلك عائد للطبيعة النصِّيَّة التي تتوافر لها، فهي فنٌّ توعويٌّ مكثَّفٌ يقوم على الإرشاد مُسيِّراً لذلك جهازهُ الوعظي، متكئاً على العِبرة من وراء مضامين متون سردهِ، فالمقالة (العلم يصبح ثقافةً) على حد تعبير محمد عابد الجابري _ على اعتبار أنها الورشةُ الثقافيةُ المؤثَّثةُ بما يلزم من مضمون يؤهِّلُها لـ(صناعة العقول) إذِ استهدفت هذه الصناعة من خلال جملة منالقضايا الراكزةٍ في الخطاب التنموي العربي، وهي (العقلانية/ التسامح/ النظرة الإنسانية للمرأة). فقد ركَّزت بعقلانيَّتها على المعضلة الأساس في تخلُّف مجتمعاتنا وهي (غياب العقل) وعدم تقبل (أسس الحضارة الحديثة) من قبل بعض الفقهاء والحكام، واتَّسم تركيزها العقلاني في منهج (الشيخ محمد عبده) الذي أوضح في مقالاته أن النهضة بدأت عندما (دعا الداعون إلى يقظة العقل) لأنه الوحيد الذي يحيطنابفهمٍ (يحيل الحوادث إلى تعليلها الذي يجيزه المنطق العقلي). أما في التسامح فقد تعاملتْ المقالةُ مع مفهومه الاصطلاحي الأوروبي الذي نشأ بعد حروبٍ بين الكاثوليك والبروتستانت؛ لذا اجتهدت مضامينُها على تذويب التقاطع مع الآخر من خلال بث ثقافة التعايش، وهذا ما تبنَّته كتابات (أحمد أمين) ففي مقالته الشهيرة (التسامح الديني في الإسلام) أكَّد بوقت مبكر على حق الفرد في أن يعتقد ما يراه حقَّاً، وعلى وجوب وقوف أهل الأديان المختلفة سواسية أمام قانون الدولة، وهذا يعني الدعوة إلى الدولة المدنية التي تكفل حقوق الجميع اجتماعياً وعقائدياً وشخصياً بما لا يضايق حقوق الآخرين. أما النظرة الإنسانية إلى المرأة فقد هاجمت المقالة النظرة الذكورية، ونادت بالمساواة مع مراعاة الخصائص البايولوجية التي تتدخل في رسم الدور المقبول لكل منهما؛ وأنجح مثال على ذلك مقالة المنفلوطي (احترام المرأة) لأنها ركزت على احترامها في حلمها وفي نشوئها، وذلك بقوله (ص37). هكذا يؤكِّد هذا الفن الأدبي الأصيل صلاحيته أن يكون منتجاً مشاركاً في تأسيس وعي جماعيٍّ يعي وجوده وقيمته وجدوى ذلك.

حسين العسلاوي 2017-07-15 2017-07-15ثقافة

  • السابق مبدعون يطالبون بحراسة الحياة بمفاهيم الثقافة والمعرفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *