أخبار عاجلة
الرئيسية » اخبار فنية - اخبار المشاهير - عالم الفن والفنانين » المدينة عمارة إنسانية.. نص في المكان المقهى

المدينة عمارة إنسانية.. نص في المكان المقهى

المدينة عمارة إنسانية.. نص في المكان المقهى

المقهى ملاذ لايعرف مذاقه إلا روادها، وجوه تحدّق باهتمام، تطالعك بمواجهات قاسية ،عيون ذابلة شديدة التحديق، وجوه ذات ملامح متشابهة، صامتة أحياناً، لايصدر منها صوت، تنصت يطريقة غريبة لأصوات خفية، ووجوه أخرى منصرفة نحو التلفاز، أو نحو الطاولات التي تجمع المتبارين بألعاب المقهى المعروفة، تتصفح مالا تدرك من وقت طويل يمضي، الطاولات معاقل حصينة لايدركها الأعداء، آخرون يذكون شجنهم بأغاني بنت الريف، أو يفّجرون ينابيع ذكريات الأيام الحزينة بأغنية (لاخبر) لفاضل عواد، التي يتردد صداها مثل دوران الناعور، كأنها أحد كشوفات الإنسان العظيمة يوم ولدت .في عمق المقهى يلهث جمر الشاي فينطق الحجر ليضيء وجه الساقي بالوهج . أرائك من الخشب الرديء، وكراس من جريد النخل، كأنها تتأهب للتوديع في رحلة هجر،أثقلت أحاديث الانتظارمساندها، لم يبق على سطوحها سوى حالات التململ والنعاس، والبكاء أحياناً، لإن صاحب المقهى نذر أن يوزع الشاي والكعك مجاناً في ليالي عاشوراء، تكتظ الأماكن بالحضور، وتختلط الأعمار، تترقب قدوم النائح ليواصل عزفه الحزين، تتردد أصداؤه في أبهاء صالة المقهى،وهو يراقب من منبره سرعة توزيع النذور، ليكمل المسارفي مجلس آخر، هل نبدو غرباء، وسط هذا الجمع نتابع الأحلام وذكريات الجراح، نرى الكون هالةً من جمال، والمقهى تزدهي بلقاءاتنا، منهل، أحمد، حميد، حاتم، رياض، نصر، منعم، جمال، باقر،مجيد، صباح، مالك، أبو سلام ….. كان العمر مازال ندياً، نتيه في خيلائه، نقرأ، كأن الكتاب مثل جناح أبيض يأخذنا نحو القمم، هكذا نقنع أنفسنا . في المقهى نتابع بيانات تنطلق من إذاعتي بغداد وصوت العرب تبشّر بالنصر القادم الحتمي في حرب حزيران،1967 ونهتز طربا مع فهد بلاّن وهو يصدح ( حنّا للسيف، وحنّا للضيف، ياويل ياويل ….ياويل )، فما زالت فينا بقايا من فرح وانتشاء بفوز العراق ببطولة كأس العرب لكرة القدم عام 1966، ولم تزل فينا عيون تسمّرن نحو تلفاز من نوع (باي ) بالأسود والأبيض، استقر باطمئنان على لوح غطّته قطعة قماش من الدانتيل، سرق الغبار بياضها، مسند بإحكام، بمثلث خشبي على الجدار، أقرب إلى سقف المقهى، فارس السلطجي حارس المرمى السوري، واللاعب العراقي كوركيس و الحارس حامد فوزي، وصوت مؤيد البدري كانوا نجوم مبارة الختام . وبصمت أثقل من ليلة رعب، كنا نستمع إلى خطاب جمال عبد الناصر وهو يعلن تنحّيه عن قيادة مصر بعد الهزيمة المريرة في الحرب، كيف يكون غداً ؟ أحدّق بدوران الساعة الشاحبة التي لاتريد أن تستسلم لليأس . لم نزل نصغي للآهات وللصمت الذي تقطعه الشهقات، كنا نحس الألم الكافر من خلال ذلك الجرح الذي فغر فاه، لسنا ندري منتهاه، لم ينته اللحن الأخير، ولا الذكريات خبت، وهي تحاصرنا بأهوال الاحتراب،وفوهات رشاشات (بور سعيد) تنتهك البيوت، وتستفز الآمنين، ويفرط الموت المسخر بإغتيالات الرجال، وقد تهورت البنادق بين أيدي القتلة . لم ندرك الحزن الذي شغل العيون عن البكاء في ليل 9 شباط 1963، عرفنا سر الإنهيار، في الجثث التي يعرضها تلفاز المقهى، بالأمس كانت بيدهم مصائر البلاد، هاهي بلاطات مبنى الإذاعة وتلفزيون بغداد ترتوي من الدم عبر مآسي العراق . لم تكن تلك خاتمة الأسى والإنكسار، فأنت مدعو مادمت على الدرب الذي أدمى خطانا، أن نرى ما لايرى غيرنا فيه، حلمنا، ونرى زمناً للفرح المقبل . المقهى إحتفاء بالضياء،والحدث، حياة لاتهدأ إلا بعد انتهاء فيلم السهرة، وعزف السلام الجمهوري، والبيوت تنتظر، تنام ولاتنام،نصحو في لهيب تموزي يشوي الوجوه لنقتفي أثرالذباب، فهو مصدر وباء الكوليرا الذي يسرع في الانتشار، يهرع المتعبون نحو المراكز الصحية، تثقلهم عثرات خطاهم من المسير، يتدافعون من أجل جرعة لقاح ضد الوباء . يا لقلب العراق ؟ كلما أغمض فيه جرح، أيقظته ألف شكوى !!. لم نعرف على بُعد خطوات من المقهى، أن بائع الثلج يتأهب في أيام تموز الأولى من عام 1968 لتوديع (كشكه) الخشبي في رحلة نحو أعلى المراتب في السلطة الإنقلابية، كان يقضي الليل بلعبة الدومينو بعد أن استراح من صمت الثلج، يراهن، يخسر، يربح، كما هي السياسة التي تعلمها، وجهه يفيض عطشاً للفيء،وأهداب عيون لم تر السواد، في صوته فحيح وجوع وحرمان .لايحظى بقسط من وسامة الشباب من أقرانه، في ليل مظلم يدخل التاريخ، ولايغادره للآن !! ماذا تبيته لنا المقهى بعد ؟ وقد خسرت المدينة من الزمن الرهان،حنانا أيتها المقهى وعذراً أيها الأصدقاء، لنقرأ ما عندنا من كتب مركونة في الزوايا، وصحف قديمة الحروف، قبل الصمت الذي أخفى سوانا، فالمقهى سفينة تبحرُ فينا دونما ربان .

MS 2017-06-19 2017-06-19ثقافة

  • السابق روحي الخالدي وبدايات الليبرالية الإصلاحية العربية
  • التالي السورية مها حسن في أحدث رواياتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *